فرنسا متهمة بدعم الإرهاب في الساحل.. فماذا بعد..؟

خميس, 18/08/2022 - 20:50

بشكل دراماتيكي تتطور الأوضاع بمنطقة الساحل على أكثر من صعيد؛ بما يترجم حقيقة عمق وتشعب التحولات القائمة في المنطقة التي باتت ساحة صراع دولي وإقليمي مفتوح. 

أحدث التحولات وأكثرها تعبيرا عن الوضع في الساحل الآن جاء في تصريحات وزير الخارجية المالي عبدالله جوب ومن بعد في رسالة رسمية وجهتها باماكو لمجلس الأمن اتهمت فيها باريس صراحة بدعم الجماعات المسلحة بذخائر ومعلومات استخباراتية؛ طالبة اجتماعا عاجلا لمجلس الأمن لنقاش ما تعتبره ضلوع أحد أعضائه الدائمين (فرنسا ) في دعم الإرهاب. 

في (الزوم) هذا الأسبوع نحاول استجماع مكونات الصورة التي حاولت باريس من الدولة المحتمى بها من الإرهاب إلى الدولة المتهمة بالتواطؤ مع الارهاب، وعلاقة ذلك بشراسة المواجهة على الأرض وإعلان إحدى المجموعات عن قتل أربع عناصر من "فاغنير" لأول مرة منذ وصول المليشيا الروسية المثيرة الأراضي المالية منذ أشهر. 

 

آخر جندي.. أول قتلى 

حين نعود لأخبار مالي خلال الأسبوع الحالي سنجد في صدارتها خبران بارزان؛ الإعلان عن سحب فرنسا آخر جندي لها من مالي بعد عقد من الوجود العسكري الذي جاء تحت عنوان حماية مالي من السقوط بيد الجماعات المسلحة، أما الخبر الثاني فهو إعلان إحدى الجماعات المسلحة مقتل أربعة عناصر من فاغنير الميليشيا الروسية التي تدعي أنها قدمت لذات الغرض الذي كانت القوات الفرنسية تزعم أنها تقاتل من أجله؛ حماية مالي من السقوط بأيدي الإرهابيين. 

في الواقع يعكس الخبران حقيقة المشهد في مالي بثوابته ومتغيراته؛ الصراع المفتوح بين الحكم في باماكو والمتمردين عليه، وتحالفات الطرفين المعلنة والخفية.

بالأمس كانت فرنسا حليفة الحكم في باماكو وظهيره واليوم تتهم علانية ورسميا بدعم الارهاب وتقول إن بحوزتها أدلة موثوقة وموثقة! 

وفي نفس اليوم تعلن الجماعات المسلحة مقتل عناصر من فاغنير وتحتفي بذلك باعتباره بداية النصر على الغازي الروسي الجديد.. 

نحن إذا أمام تغير جوهري للمقاتلين على مسرح الساحل يخفي وراءه صراع نفوذ أكبر ليس في واقع الأمر سوى قطعة من شظايا صراع دولي أكبر تدور رحاه في سوح عبر خريطة العالم من أوكرانيا لتايوان مرورا بالطبع بطهران وغزة والخليج واليمن. 

 

أقدام فرنسا المتهتزة 

وحتى نبقى في الساحل؛ ولكي نضع الشكوى المالية من فرنسا لمجلس الأمن في نصابها دعونا "نوسع الزوم" قليلا لنرى الحراك المتصاعد ضد فرنسا في مجمل المنطقة: 

-  في النيجر: البلد المجاور لمالي والذي انتقلت له قوة برخان الفرنسية؛ فانتقلت معها الأصوات المحتجة على الوجود الفرنسي حيث عاشت انيامي بالأمس أجواء توتر حقيقية بسبب منع مظاهرة دعت لها حركة" م 62" ومنعتها الحكومة، لكن المحتجين المصرين على رفض الوجود الفرنسي وغلاء المعيشة قرروا تحويل المظاهرة "الممنوعة" لأيام صيام ودعاء، معلنين الشروع في تعبئة جديدة ليوم احتجاج قادم بعد شهر من الآن (18 سبتمبر القادم). 

- في السنغال: الذي أعلنت فيه نتائج انتخابات تشريعية فقد فيها الرئيس ماكي صال أغلبيته البرلمانية، حقق تحالف المعارضة الذي كان شعاره (افرانص ديگاج) فرنسا ارحلي، أحد أهم شعاراته؛ نتائج اعتبرت تاريخية وممهدة على الراجح للقضاء على حلم الماكيين بمأمورية ثالثة، وممهدة أيضا لتقليص نفوذ باريز في أحد أهم معاقلها التاريخية والاستراتيجية. 

- وفي بوركينا افاسو: التي يختمر فيها الغضب ضد الوجود الفرنسي منذ بعض الوقت (سبق أن حوصرت بها قافلة إمداد عسكرية فرنسية العام الماضي) حرقت أعلام فرنسا من جديد ورفعت أعلام روسيا. 

- وفي اتشاد: التي تجري فيها مصالحة يتمنى أطرافها أن تكون تاريخية على أرض بعيدة من فرنسا، ارتفعت الأصوات ضد فرنسا ورجلها القوى الحاكم محمد ديبي. 

 

ماذا بعد..؟ 

لا تعني هذه الأحداث بالطبع أن فرنسا المكينة في الساحل؛ والغرب الإفريقي غلبت وتستعد للرحيل النهائي، فتلك قراءة موغلة في السطحية ولكنها تعني أنها باتت في مواجهة شرسة من حلف قوي بين : 

- حالة شعبية تحتضن مشاعر غضب متراكمة منذ أيام الاستعمار

- وأنظمة عسكرية تبحث عن شرعية،  وقضية تبقى بها في السلطة لآجال طويلة.

-وروسيا الباحثة عن موطأ قدم، وعن موقع في الخاصرة الأوروبية يرد صاع التغلغل الأوربي في الخاصرة الروسية.

إنه مشهد يتطور بسرعة لكنه أبعد ما يكون من أخذ شكله النهائي؛ فديناميكياته متداخلة، ونقاط القوة موزعة بشكل كبير بين الفاعلين والمفعول بهم وحتى المفعول لأجلهم.

 

الصحراء