موريتانيا : حصر ملكية الصيدليات في الصيادلة

خميس, 15/01/2026 - 14:39

لم يعد الجدل الدائر حول قانون الصيدلة الجديد مجرّد اختلاف مهني عابر، بل تحوّل إلى سؤال وطني عميق يتعلّق بمنهج الإصلاح ذاته:
*هل نُصلح بتوسيع القدرة، أم نُقنّن بالتقليص؟*
*وهل يُبنى الأمن الدوائي على الواقعية والتدرّج، أم على افتراضات لا يسندها الواقع ولا تُثبتها التجربة؟*
*أولًا: توضيح جوهري لا لبس فيه*
من المهم، قبل أي نقاش، وضع الأمور في نصابها الصحيح:
لا أحد يعارض ملكية الصيدلي القادر ماليًا لصيدليته، ولا يعترض على تمكين الصيادلة المؤهَّلين من الاستثمار في قطاعهم الطبيعي. فالخلاف ليس مع الصيدلي بوصفه مهنيًا، بل مع حصر الملكية حصريًا فيه، خاصة حين لا تتوفر لديه القدرة المالية، وفي المقابل منع غير الصيدلي القادر على التمويل من الاستثمار، رغم كفاءته والتزامه بالضوابط.
فالإشكال إذن ليس في من يملك، بل في كيف نُنظّم.
*ثانيًا: وهم الربط بين الملكية وجودة الدواء*
إن الربط الضمني بين حصر الملكية وجودة الدواء ربطٌ غير علمي ولا واقعي. فجودة الدواء لا تُحدَّد بهوية المالك، بل بعناصر واضحة ومحددة، من بينها:
• سلامة سلسلة التوريد
• احترام شروط التخزين والنقل
• الالتزام بالمعايير الفنية
• وجود إشراف صيدلاني فعلي
• رقابة دوائية صارمة ومستقلة
فالدواء لا يصبح جيدًا لأن مالكه صيدلي، ولا يفقد جودته لأن مالكه مستثمر.
الجودة منظومة تجمع بين التنظيم والرقابة، لا مسألة ملكية.
*ثالثًا: سؤال الفائض الموهوم*
إن حصر الملكية يفترض، ضمنيًا، وجود فائض من الصيادلة القادرين على سدّ الفراغ المتوقع، وهو افتراض لا تسنده الأرقام ولا يعضده الواقع. فعدد الصيادلة في البلد لا يبلغ 160 صيدليًا، يتمركز أغلبهم – إن لم يكن جلّهم – في العاصمة، في حين يفوق عدد نقاط توفير الدواء في عموم البلاد 1100 نقطة بين صيدليات ومستودعات صيدلية، يوجد أكثر من نصفها في العاصمة وحدها.
فإذا كان العدد الإجمالي للصيادلة الوطنيين لا يكفي لتغطية احتياجات العاصمة نفسها، فكيف يمكن التعويل عليه لتأمين التغطية الدوائية في الداخل والمناطق النائية؟
فهل يوجد فائض بشري مؤهَّل؟
الجواب الواضح: لا.
وهل توجد صناديق تمويل أو آليات دعم تتكفّل بتمويل الصيدليات لصيادلة لا يملكون رأس المال؟
الجواب كذلك: لا.
وعليه، فإن هذا القانون يقوم، في جوهره، على فراغين خطيرين:
فراغ في الموارد البشرية، وفراغ في القدرة التمويلية، وهو ما يجعل تطبيقه الواقعي أقرب إلى المغامرة منه إلى الإصلاح المنشود
*رابعًا: فراغ سيُخلِّفه الخروج القسري للمستثمرين*
إن منع غير الصيدلي من الملكية، رغم قدرته على التمويل، سيؤدي حتمًا إلى:
• خروج المستثمرين الوطنيين من القطاع
• إغلاق مئات الصيدليات القائمة
• إغلاق مستودعات صيدلية يشرف عليها ممرضون مهنيون
• الاستغناء عن خدمات صيادلة أجانب سدّوا نقصًا هيكليًا
• انهيار شبكات توزيع بُنيت خلال عقود
وهذا الفراغ لا يُعوَّض بقرار إداري، ولا يُملأ بنوايا حسنة، بل يحتاج سنوات طويلة من البناء البشري والمالي.
*خامسًا: حساب الزمن… لا حساب النوايا*
خلال خمسةٍ وعشرين عامًا مضت ، لم يزد عدد الصيادلة في البلد إلا بنحو 60%. فإذا كان هذا هو معدّل النمو في ظروف توسّع نسبي، فكم نحتاج من السنوات لنعود فقط إلى مستوى التغطية الذي سنُقلّصه اليوم؟
عشر سنوات؟ عشرون؟
وماذا عن المواطن خلال هذه الفجوة؟
وهل يُعقل أن يبدأ الإصلاح بتقليص التغطية، ثم يُعلّق الأمل على مستقبل مجهول؟
*سادسًا: من إصلاح يُوسّع إلى تشريع يُضيّق*
كان المنتظر من أي إصلاح جاد أن يُبدع في التنظيم، لا أن يُقصي؛ وأن يُحسّن الفعالية، لا أن يُضيّق الأفق. غير أن الإصرار على الحصر يؤدي عمليًا إلى:
• تقليص العرض الدوائي
• خلق احتكار قسري لفئة محدودة
• ارتفاع الأسعار
• توسّع السوق السوداء
• تحميل الصيدلي الذي ليس جاهزا ماليا أعباء استثمارية قد تصرفه عن دوره العلمي الأساسي
وكل ذلك دون دليل علمي واحد يثبت أن حصر الملكية، بذاته، يحسّن جودة الدواء.
*سابعًا: الكلفة الشاملة… حين يدفع الجميع الثمن*
إن تبعات هذا الخيار لا تقف عند حدود المستثمرين، بل سيكون من نتائجها:
• خسائر مالية بمليارات الأوقية
• بطالة بالآلاف
• اضطراب في الأمن الدوائي
• ضرب الثقة في الدولة ومناخ الاستثمار
• تشويه صورة البلاد داخليًا وخارجيًا
بل الأخطر من ذلك، هو زرع شعور عام بعدم الأمان القانوني، يدفع أبناء الوطن إلى فقدان الثقة في المنظومة القانونية، والبحث عن الاستقرار خارج بلدهم.
الخلاصة
*إن السؤال الحقيقي ليس: من يملك الصيدلية؟*
بل: *كيف نضمن دواءً آمنًا، متوفرًا، ومراقَبًا؟*
ولا يتحقق ذلك عبر نزع الملكية أو الحصر القسري، بل عبر:
• نماذج الشراكة (صيدلي + مستثمر)
• إشراف فني صيدلاني صارم
• رقابة دوائية مستقلة
• تدرّج تشريعي واقعي
• واحترام الأرقام قبل الشعارات،
فالتشريع الذي يتجاهل الواقع لا يُصلح،
والإصلاح الذي يبدأ بالتقليص لا يمكن أن يقود إلى جودة.

محمد الحافظ الهادي السيد/ *سؤال الجدوى، وحدود الواقع، وكلفة الإصرار*