
التاريخ عمل يكتب لمرة واحدة .
و إذا افترضنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون ، فهذا لا يعني أن الحقيقة هي ما يكتبه المنتصرون بل يعني عكس ذلك تماما ، أي أن حتى أكاذيب المنتصر تصبح تاريخا ، كما يحاول أبطال الفساد و النفاق على أرضنا نحن !!
و حتى لا يعتقد المفسدون و المتزلفون في موريتانيا أن التاريخ هو ما يكتبونه ، سيكون علينا أيضا أن نذكرهم أنهم لم ينتصروا قط و لن ينتصروا ..
صحيح أنهم كسبوا بعض المعارك ضد نخبة البلد في عدة وقائع و ليس في كلها ، لكنهم لم يهزموها ..
الشعوب لا تهزم و خمولها و ازدراؤها بما يحصل ، حالات كاذبة ، تماما مثل انتصارات الخونة الوهمية !
ما نطالعه اليوم من كتابات تمجد هذا و تنزه ذاك و من تبادل الشهادات بمهنية فلان و كفاءة علان و من شكر و امتنان لفخامة رئيس الجمهورية "على ما منحهم من ثقة" (يتمنون كاذبين ، أن يكونوا قد وفقوا في أدائها على أكمل وجه) ، يخطئ من يعتقد أنه يمكن أن يمحو تاريخا كاملا من الفساد و الإفساد و الانحطاط و الفضائح و التزلف المقرف حد الوقاحة و أحيانا حدَّ الردة !!
إن ما يضمره بعض المتنفذين اليوم ، المُبتسِمين لكل عابر و المتجاوَز من الجميع ، أخطر مما يتوقعه أي منكم و بقاؤهم على واجهة المشهد بكل هذا الإصرار من فخامة الرئيس أمر مُحَيِّر و خطير و علاقاتهم الأخطر مع البنك الدولي على حساب البلد و الشعب مما تعكسه حالة البؤس بوضوح ، لم يعد يحتمل السكوت و تحوَّل هذا النادي غير المُعلن إلى حاضنة لكل مؤامرة خارجية (من الهجرة السرية و حماية حاضنتها المحلية (إيرا و افلام) إلى الارتباط الوثيق بالعابثين بوحدة الأمة و الإساءة إلى مقدساتها) ، لصالح استمرار نفوذهم بإرضاء كل شياطين الأرض ، يستوجب اليوم من الجميع وقفة محاسبة ، لم تعد تقبل التأجيل ..
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي يتساءل هل هذا هو نفس الشخص أو نسخة أخرى منه ، حين تسأله عن أي شخصية عمومية في هذا البلد .. عن أي مفسد معتوه فيه !!
على من يعتقدون أنهم هزموا نخبة البلد ، أن يفهموا أنهم واهمون .. أن يتأكدوا أنهم لن يكتبوا تاريخ المرحلة .. أنهم لن يغيروا حقيقة ما حصل .. أنهم سيظلون جميعا مجرمين في حق البلد حتى تثبت إدانتهم ..!
تذكروا أن أقوالكم تفضحكم .. أن أفعالكم تفضحكم .. أن أموالكم تفضحكم .. أن تاريخكم يفضحكم .. أن تَبَدُّل وفائكم مع اتجاهات الريح يفضحكم .. أن متاجرتكم بكل شيء تفضحكم !!
هل نسيتم "و من يكتمها فإنه آثمن قلبه" !!!
"وا حَرَّ قلباهُ ممن قلبه شَبِمُ / وَ مَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ
فخامة الرئيس ،
أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً /
أن تَحْسبَ الشَّحمَ في مَن شَحْمُهُ وَرَمُ"
نعم ، تذكروا دائما أن التاريخ عمل يكتب لمرة واحدة . و أن لهذا البلد حُرَّاس ذاكرة و وجدان هم من يكتبونه بالدم و الدموع ، بما يؤكد وهمية انتصاراتكم المخجلة !!
نعم ، انتصرتم على الوطن ..
نعم ، انتصرتم على الشعب ..
نعم ، انتصرتم في تحويل كل حقيقة إلى كذبة .. في تحويل كل فضيلة إلى رذيلة .. في تحويل كل محاولة نهوض إلى دمار (…)
لكن لن تنتصروا على نخبة البلد التي بدأت تعي أن عدم المواجهة استقالة و أن الخطأ كان في طريقة استغلال الوسائل لا في عدم جدوائيتها !!
الانتصار على الأوطان هزيمة أخلاقية و النخب مهما قَلَّت ، لا تهزمها انتصارات معركة و الفائز من يضحك في الأخير : لقد فهمها عزيز اليوم و سيفهمها غيره حتما و لو بعد حين !!
لقد شابهت النخب الموريتانية كل أنظمة أزمنتها و لعبت أدوارًا هامة هي كل ما كانت تتيحه السياسة : حركات سرية و تنظيمات غير مرخصة ثم تشكلت في أحزاب و منظمات في زمن كذبة الديمقراطية و ألاعيب عملاء جريمة فرانس آفريك و غلمان لابول ..
و لأن السياسة في بلدنا كانت جزءً من المشكلة لا من الحل ، ظلت مثالية النخب في معارضة الأنظمة ، تتحول إلى عكسها كلما اقتربت من السلطات أو حكمت بالفعل من دون إعلانها ، لأن السياسة بطبعها تفرق و لا تجمع . و لأن أبطال التحزب صناعة شعبية يصعب التحكم في توازن نسب مكوناتها بما يوقعنا دائما في محنة الجرعات الزائدة ..
اليوم تتجه النخب إلى مكاتب البحوث و الدراسات الاستراتيجية و هو توجه يجعلها لأول مرة فوق السلطات و يمنحها مكانة و دور المعلم لا التلميذ و يجعل الجميع خاضعا لسلطتها و مستسلما لأحكامها و معاييرها و كلمتها الفصل ..
لقد بدأت مكاتب الدراسات ، بعد سقوط المعارضة و إفلاس الايدولوجيا و تساقط زعامات الورق ، تصنع من الثقافة و السياسة و الاقتصاد و التجارب البشرية ، وحدة متكاملة لا يستغني بعضها عن بعض و لا تكتمل من دون اكتمالها و هذا هو الفرق شاسع البون بينها و بين الايديولوجيا..
# الفرق بين النخب السياسية و مكاتب الدراسات هو أن النخب السياسية تهتم بالنتائج و مكاتب الدراسات تهتم بالتوجهات : كان ولد عبد العزيز منهمكا في بناء الجامعات و الطرق و المستشفيات و المدارس ، لأنها أذكى طريقة لتبرير نهب المال العام و أفضل طريقة للدعاية السياسية ..
# الأحزاب تكبر بقدرتها على الكذب
و مكاتب الدراسات تكبر بقدرتها على الصدق ..
# الأحزاب تكبر بكثرة جمهورها و مكاتب الدراسات تكبر بقلة جمهورها ، لأن كثرة جمهورها تعني في الغالب أنها ملطخة بالسياسة ..
# الأحزاب السياسية تستقطب العامة و مكاتب الدراسات تستقطب الخاصة ..
# الأحزاب السياسية تركب الموجات ومكاتب الدراسات تعترضها ..
# الأحزاب السياسية إما أن تمارس الصراخ و إما أن تمارس الصمت المطبق و مكاتب الدراسات تمارس الصراخ و الصمت بحساب !!
لقد بدأت مكاتب الدراسات تشخص الوضع بدقة متناهية و غدا ستطرح الحلول المُلزمة لكل من لا يعلن السير عكس التيار ، في زمن طغيان تمرد المعلومات ..
حينها ، إما أن تبدأ محاكمة الجميع و إما أن يبدأ سحلهم في الشوارع من دون محاكمة و لن يكون أمام أبطال الورق حل ثالث ..
و لأن مكاتب الدراسات غير سياسية و ليست طرفا في أي قضية وطنية ، ستمنح أي تحول إيجابي في أي لحظة ، ما يستحق من مبررات سياسية و اجتماعية بما يحوله إلى بطولة وطنية ، لأن الذاكرة تمدها بالأسباب الموضوعية المبررة لصعوبة الانسلاخ من موروث الماضي ..
فــ"سارعوا إلى مغفرة من ربكم …"
و لا تنسوا موريتانيا من الدعاء !
.gif)