البنك المركزي الموريتاني : استقرار نقدي… وتأثير محدود على الاقتصاد

خميس, 05/03/2026 - 22:06

في الاقتصادات الصاعدة، يُقاس أداء البنوك المركزية  بقدرتها على تحويل النظام المالي إلى رافعة للاستثمار والنمو.  وفي موريتانيا، ظل البنك المركزي لعقود يركز أساساً على إدارة الاستقرار النقدي وضبط السيولة، وهي مهمة ضرورية في اقتصاد صغير ومعرض لتقلبات خارجية مرتبطة بأسعار السلع الأولية والتطورات الإقليمية. غير أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد، خصوصاً مع بروز قطاعي الغاز والتعدين، تطرح سؤالاً أوسع حول مدى قدرة النظام النقدي والمالي على مواكبة هذه المرحلة الجديدة.
 
في هذا السياق، يقدم تقرير جديد للبنك الدولي حول الوضعية الاقتصادية في موريتانيا في 2025,  قراءة تحليلية لواقع النظام المالي في موريتانيا، مبرزاً أن الاستقرار النقدي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة لم يُترجم بعد إلى نظام مالي عميق قادر على تمويل الاقتصاد وتوجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج.
 
سياسة نقدية بأدوات محدودة
 
يشير البنك الدولي إلى أن أدوات السياسة النقدية في موريتانيا لا تزال أقل تطوراً مقارنة بالاقتصادات الناشئة، وهو ما يقلل من فعالية قرارات البنك المركزي. فحين يقرر البنك المركزي تعديل السيولة أو أسعار الفائدة، لا تنتقل هذه القرارات بالسرعة والفعالية المطلوبة إلى الاقتصاد.
 
وفي هذا السياق يورد التقرير ملاحظة لافتة مفادها أن انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي يظل محدوداً بسبب ضعف تطور الأسواق المالية وضيق قاعدة الأدوات المتاحة. ويعني ذلك عملياً أن قرارات السياسة النقدية لا تنعكس بشكل كافٍ على تكلفة التمويل أو مستوى الاستثمار.
 
ويرتبط هذا الوضع أيضاً بغياب سوق مالية متطورة، حيث ما تزال موريتانيا تفتقر إلى سوق نشطة للسندات أو أدوات الدين الحكومية القادرة على توفير قنوات فعالة لإدارة السيولة.
 
سوق مالية ضيقة
 
من النقاط التي يشدد عليها التقرير أن النظام المالي الموريتاني يظل متمحوراً حول البنوك التجارية، مع غياب شبه كامل لأسواق رأس المال. فعدم وجود سوق مالية حقيقية يحد من قدرة البنك المركزي على استخدام أدوات غير تقليدية لإدارة السياسة النقدية.
 
وفي الاقتصادات الأكثر تطوراً، تلعب أسواق السندات دوراً أساسياً في نقل السياسة النقدية إلى الاقتصاد. أما في الحالة الموريتانية، فإن ضيق هذه الأسواق يجعل السياسة النقدية تعتمد بدرجة كبيرة على أدوات تقليدية محدودة التأثير.
 
ويرى التقرير أن تطوير سوق للسندات الحكومية يمكن أن يشكل خطوة مهمة في اتجاه تعميق النظام المالي وتحسين فعالية السياسة النقدية.
 
تحديات الرقابة المصرفية
 
إلى جانب إدارة السياسة النقدية، يضطلع البنك المركزي بدور أساسي في مراقبة البنوك وضمان استقرار النظام المالي. ويقر التقرير بأن الإطار التنظيمي شهد بعض التحسن خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه يشير في الوقت ذاته إلى الحاجة إلى تعزيز قدرات الرقابة والإشراف المصرفي.
 
ويؤكد التقرير أن تعزيز الرقابة الاحترازية يعد ضرورياً لمواجهة المخاطر المحتملة في القطاع المصرفي، خصوصاً في ظل تركّز القروض لدى عدد محدود من العملاء في بعض البنوك.
 
كما يشير إلى أهمية تطوير أدوات تحليل المخاطر النظامية، بما يسمح للبنك المركزي بالتدخل المبكر في حال ظهور مؤشرات على اختلالات مالية.
 
تحدي الشمول المالي
 
يربط التقرير أيضاً بين دور البنك المركزي وبين التقدم في مجال الشمول المالي. فإحدى المهام الحديثة للبنوك المركزية تتمثل في تهيئة البيئة التنظيمية التي تسمح بتوسيع الخدمات المالية، خاصة عبر الوسائل الرقمية.
 
غير أن التقرير يشير إلى أن نسبة كبيرة من السكان ما تزال خارج النظام المصرفي، وهو ما يحد من قدرة السياسة النقدية على التأثير في الاقتصاد، نظراً لانتشار التعاملات النقدية خارج النظام المالي الرسمي.
 
بين الاستقرار والإصلاح
 
في المحصلة، يقدم تقرير البنك الدولي صورة مزدوجة لأداء البنك المركزي في موريتانيا. فمن جهة، نجح البنك في الحفاظ على درجة من الاستقرار النقدي والمالي، وهو عنصر أساسي لأي اقتصاد. ومن جهة أخرى، يرى التقرير أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير أدوات السياسة النقدية وتعميق النظام المالي بما يسمح بزيادة تأثير البنك المركزي في النشاط الاقتصادي.
 
ففي اقتصاد يتجه نحو الاستفادة من عائدات الموارد الطبيعية، خصوصاً الغاز والمعادن، تصبح فعالية النظام المالي عاملاً حاسماً في تحويل هذه الموارد إلى استثمارات منتجة. وهو ما يضع البنك المركزي أمام مهمة مزدوجة: الحفاظ على الاستقرار النقدي، وفي الوقت نفسه المساهمة في بناء نظام مالي أكثر عمقاً وقدرة على دعم التنمية الاقتصادية.
 
أقلام