
اعتبر الخبير الدولي البروفسور اعلي مصطفى أن الحكومة الموريتانية أخطأت في تعاطيها مع أزمة الطاقة الراهنة، ليس لأنها لم تتحرك، بل لأنها اتخذت، بحسب تعبيره، سلسلة قرارات متناقضة تفتقر إلى الرؤية الواضحة والاستهداف الدقيق والانسجام المطلوب.
وقال مصطفى، في مقال له، إن موريتانيا تواجه، خلال الربع الأول من عام 2026، صدمة طاقوية خارجية قوية ناجمة عن التوترات في مضيق هرمز وتقلبات الأسواق النفطية العالمية، وهو ما كان يقتضي، في نظره، استجابة عمومية قوية ومنسجمة وموجهة بدقة، بدل ما وصفه بتراكم قرارات متضاربة اقتصاديًا ومجحفة اجتماعيًا وتحمل مخاطر على استقرار البلاد.
ورأى أن الحكومة انتقلت، في فترة وجيزة، من الحديث عن إصلاح هيكلي لأسعار المحروقات قائم على الشفافية وتحيين التكاليف الحقيقية، إلى تبني خطاب يقوم على تعبئة عشرات المليارات من الأوقية لامتصاص ارتفاع أسعار النفط، مع الإبقاء في الوقت نفسه على دعم مباشر للغازوال، معتبرًا أن هذا التحول السريع يكشف غياب عقيدة مالية واضحة في مواجهة المخاطر النفطية.
وأضاف أن هذا التذبذب يبعث، في الوقت نفسه، رسائل متناقضة إلى الأسواق والفاعلين الاقتصاديين والأسر، بين منطق حقيقة الأسعار ومنطق الدعم الواسع ومنطق القيود الإدارية، وهو ما يضعف ثقة المتعاملين في توجه الدولة ويعقد قدرتهم على التخطيط والاستثمار.
وانتقد البروفسور اعلي مصطفى ما اعتبره اختلالًا في السياسة السعرية، مشيرًا إلى أن رفع سعر الغازوال، مقابل خفض سعر البنزين، يمثل خيارًا سياسيًا يثقل كاهل القطاعات المرتبطة مباشرة بالإنتاج والنقل والصيد والزراعة واللوجستيك، بما ينعكس سريعًا على أسعار المواد الأساسية ويضغط أكثر على الفئات الهشة.
كما شكك في جدوى الإجراءات التي قُدمت تحت عنوان ترشيد الاستهلاك، ومن بينها الحد من استخدام سيارات الدفع الرباعي الإدارية، معتبرًا أن هذا النوع من القرارات يحمل بعدًا اتصاليًا أكثر من كونه سياسة طاقوية متكاملة، خاصة في بلد يشكل فيه النقل الصحراوي أحد شروط عمل الإدارة وربط المناطق النائية بالخدمات العمومية.
وحذر من أن التعويل على امتصاص الزيادات العالمية عبر الميزانية العامة، من دون تحديد دقيق للمصادر والآجال وسقف التدخل، قد يهدد توازنات المالية العمومية، مبرزًا أن كل دعم شامل وغير موجه للمحروقات يأتي على حساب قطاعات أخرى مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن والاستثمار المنتج.
وفي جانب آخر، لفت الخبير الدولي إلى ما اعتبره بعدًا أمنيًا مغيبًا في الخطاب الرسمي، موضحًا أن ارتفاع كلفة الطاقة والمحروقات قد يزيد الضغط على الإنارة العمومية وعلى خدمات الكهرباء، خصوصًا في المدن الكبرى، بما قد يفاقم مشكلات الأمن والجريمة في الأحياء الهشة والأطراف الحضرية.
وأكد أن التأثيرات المجمعة لرفع الغازوال، وتقييد بعض وسائل الحركة، وارتفاع الأسعار الغذائية واللوجستية، تشكل ضغطًا إضافيًا على النسيج الاقتصادي الوطني، وخاصة على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والأنشطة الحرفية، والصيد التقليدي، والتجارة الصغيرة، التي تعمل أصلًا بهوامش محدودة وتعتمد بقوة على النقل والطاقة.
وأوضح أن الحكومة كان ينبغي أن تختار بين أحد مسارين واضحين:
إما تمرير الأسعار بشفافية مع آليات حماية اجتماعية موجهة بدقة،
أو تثبيت مؤقت للأسعار بتمويل معلن ومحدود زمنيًا، مع خطة خروج واضحة.
لكنه اعتبر أن السلطة اختارت، بدل ذلك، صيغة وسطى هي الأسوأ، لأنها تجمع بين التناقض والضبابية وغياب الرؤية.
ودعا إلى تسريع استغلال البدائل الوطنية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي، وتوجيه الدعم بشكل أدق نحو القطاعات الأساسية مثل النقل الجماعي والصيد والزراعة والمؤسسات الصغيرة، مع حماية مباشرة للفئات الأكثر هشاشة عبر تحويلات شفافة ومحددة.
وخلص البروفسور اعلي مصطفى إلى أن الأزمة كشفت، في نظره، ليس فقط ضعف القرارات الظرفية، بل غياب جهاز حقيقي للسياسة الاقتصادية يستند إلى عقيدة واضحة وأدوات استهداف فعالة وثقافة قائمة على المصارحة العمومية، معتبرًا أن خطورة المرحلة كانت تستدعي أكثر من مجرد ارتجال ملبس بثوب الاستراتيجية
.gif)