أربع ملفات تكشف عجز النظام الدستوري وتفرض تعديلات حاسمة

ثلاثاء, 05/05/2026 - 20:43

الدستور ليس نصًا عابرًا يُعدَّل وفق المزاج السياسي أو توازنات اللحظة؛ بل هو عقد صلب يستمد شرعيته من الشعب ويأخذ قوته من الاستقرار والتراكم ومن قيمة الأطر السياسية ،ودوام العبث به أي التعديلات المزاجية -كما مر علينا في السابق -لا تعني سوى شيء واحد: تقويض الثقة فيه وضرب فكرة الدولة في عمقها. فالدستور الذي يُغيَّر بسهولة يفقد هيبته، ويتحوّل إلى ورقة إدارية بلا قيمة سيادية.
كما يعد التمسك الأعمى بالجمود لا يقل خطورة عن التسيب؛ فالدستور ليس نصًا مقدّسًا خارج التاريخ، بل أداة يجب أن تُصقل بتجارب النجاح وتُنقّى من أخطاء الفشل. والدستور الموريتاني الصادر سنة 1991، والمعدَّل في أعوام 2006 و2012 و2017، يُعد من الدساتير التي عرفت قدرًا من الحركية والتعديلات المتلاحقة ، وقد فتح بعض هذه التعديلات الباب لاختلالات عميقة ما تزال آثارها قائمة وبالتالي يجب تصحيحها ،كما تغيرت أهمية البلد مع بعض الاكتشافات في مجال الطاقة وبعض الظواهر الكبيرة مثل الهجرة وكذلك الأحداث مثل فشل دول تلامس المجال الحيوي للبلد تتطلب من الدستور أن يواكبها .
إننا اليوم أمام لحظة حاسمة: إما مراجعة جريئة تعيد للدستور وظيفته كإطار ضابط للدولة ومرن يدعم الحاجة لمواكبة التحولات والتفكير والتخطيط لمصلحة ولمستقبل البلد ، أو الاستمرار في إدارة الاختلال حتى تتحوّل إلى أزمة بنيوية تثقل كاهل البلد والديمقراطية .
إن وضع البلد بحاجة لمراجعة الاختلالات وتقوية النظام الجمهوري في سبيل بناء القوة :
أولًا: إعادة مجلس الشيوخ
شكّل إلغاء مجلس الشيوخ بموجب استفتاء 5 أغسطس 2017 الذي تم في مناخ من التناقض واستغلال السلطة المفرط والمزاج نقطة تحوّل خطيرة في التوازن المؤسسي أضعفت السلطة التشريعية . فقد كانت هذه الغرفة تضم 56 عضوًا من الشخصيات المتعلمة وأصحاب الخبرات في مجالات الحياة المختلفة ، وتؤدي دورًا محوريًا في مراجعة القوانين وضبط جودة التشريع . بإلغائها، أصبح البرلمان أحادي الغرفة، يضم حاليًا 176 نائبًا (بعد تعديل النظام الانتخابي سنة 2023)، ودون وجود آلية مؤسسية للقراءة الثانية تم انتخاب قطاع عريض من عديمي الكفاءة والخبرة والتحصيل العلمي في هيئة التشريع الوحيدة في البلد وتحولت بذلك إلى غرفة ملاكمة سياسية .
لقد كانت النتيجة واضحة: تراجع في جودة النقاش التشريعي، ضعف في التمحيص، وهيمنة للاعتبارات السياسية والاجتماعية والعرقية واللونية على حساب الكفاءة. لقد تحولت السلطة التشريعية إلى بنية ناقصة، تفتقد أحد أهم أدوات التوازن والرقابة.
ثانيًا: اختلال شروط الترشح وضعف معايير اختيار النخب السياسية
يطرح النظام الدستوري إشكالًا حقيقيًا في معايير الترشح، سواء للرئاسة أو للبرلمان. فالدستور لا يفرض شروطًا نوعية صارمة تتعلق بالكفاءة العلمية أو الخبرة الإدارية. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح الوصول إلى السلطة ممكنًا عبر التعبئة الشعبوية، بدل البرامج الجادة وهذا خطير بالنسبة لبلد لازال يفتقد لكثير من أسس اليقين بالاستقرار والتطور .
إننا في انتخابات 2019 و2024 الرئاسية، بلغ عدد الناخبين المسجلين أكثر من 1.5 مليون ناخب، وهو رقم يعكس ثقل الكتلة الشعبية، لكنه يكشف أيضًا هشاشة التأثير العقلاني في ظل غياب ضوابط صارمة للترشح،حيث يبلغ عدد الشباب 75% في حين بلغت نسبة التسيب المدرسي قبل بلوغ الهدف النهائي للتعليم أكثر من 85% ونسبة النجاح في الباكلوريا 16%. هذه النسب مغلفة وكبيرة سلبيا بالنسبة لمجتمع غير حازم ويعرف الكثير من التسييب والاختلالات والاصطفافات .كما تمثل النساء نسبة 55إلى60%مع ضعف نسبة الوعي .
فكيف يمكن لدولة تواجه تحديات متعددة اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية معقدة أن تترك أعلى مناصبها دون اشتراط حد أدنى من التأهيل العلمي أو الخبرة القيادية أو المسؤولية ؟ وكيف يُعقل أن تُسند سلطة التشريع لأفراد لا تُلزمهم القوانين بسيرة ذاتية واضحة، أو سجل عدلي نظيف، أو معايير أخلاقية محددة؟
إن ترك هذه العملية دون تقنين صارم هو وصفة مباشرة لإنتاج طبقة سياسية عاجزة عن إدارة الدولة وتعريضها للانزلاق .
ثالثًا: فشل تجربة المجالس الجهوية منذ إنشائها (2018)
تم إنشاء المجالس الجهوية بموجب تعديلات 2017 المزاجية ، وبدأت عملها فعليًا بعد انتخابات 2018، حيث أُنشئ 13 مجلسًا جهويًا بعدد ولايات البلاد. غير أن هذه التجربة، وبعد أكثر من خمس سنوات، لم تثبت فعاليتها.
فلم تُسجل هذه المجالس حضورًا مؤثرًا في التنمية الجهوية، ولم تنجح في فرض نفسها كفاعل مؤسسي حقيقي. بل على العكس، أدت إلى تعقيد الوضع الإداري بسبب تداخل الصلاحيات مع البلديات والسلطات الإدارية (الولاة والحكام).
في كثير من الحالات، ظلت هذه المجالس هياكل شكلية تفتقر إلى الموارد والصلاحيات الفعلية، ما يجعل استمرارها بصيغتها الحالية ضربا من العبث .
رابعًا: تضخم الهيئات الاستشارية وضعف مردوديتها
يتضمن النظام المؤسسي عدة هيئات استشارية، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الفتوى والمظالم. غير أن التجربة أثبتت محدودية تأثير هذه المؤسسات، سواء من حيث الإنتاج الفكري أو التأثير في القرار العمومي كما أن مهمة مستشار سواء كان مؤسسة أو فردا في دولة الفرد لا دولة المؤسسات لاتعني فاعلية محددة .
وإذا ما كانت الدولة ذات موارد محدودة، فيصبح الحفاظ على مؤسسات ضعيفة الفعالية عبئًا إضافيًا بدل أن يكون دعمًا للحكامة. والحاجة الحقيقية اليوم ليست إلى تعدد الهياكل، بل إلى إنشاء مؤسسة استراتيجية عليا، تُعنى بالتخطيط بعيد المدى، وتقديم رؤية متكاملة لمستقبل البلاد خلال العشرين سنة القادمة، خاصة في ظل التحولات المرتبطة بالاكتشافات المتعددة في مجال المعادن والطاقة والغاز الذي بدأ إنتاجه في 2024) والأهمية المتزايدة لموقع موريتانيا الاستراتيجي بالنسبة للهجرة وبالنسبة للتنسيق في مجال أمن المنطقة التي تشهد فشل دول تلامس المصالح الاستراتيجية الموريتانية
نحن اليوم بحاجة ماسة إلى المواءمة بين حجم الثروة وحجم الفرص وحجم التحديات وضبطها في خطة وطنية عليا من أجل تطوير البلد وصيانة سيادته .ليس بمقدور أحد اليوم ولا رئيس الجمهورية تخمين الوضع الموريتاني على أي مستوى بعد خمس سنوات قادمة من الآن، لا على المستوى الأمني ولا قدرتنا على الصمود أمام الأزمات الدولية والإقليمية لا على المستوى الاقتصادي ولا الاجتماعي ، فوضعنا غير قابل للتنبؤ لأنعدام الأسس والقواعد التي يمكن أن يبنى عليها أي توقع .
إن هذه الحالة في منتهى الخطورة بالنسبة لبلد يملك جاذبية كبيرة ويقع في قلب التجاذبات.
وهكذا تتمثل الخلاصة في ضرورة إعادة هندسة النظام الدستوري فالمشكلة لم تعد في النصوص، بل في بنية النظام الدستوري نفسه. نحن أمام حاجة ملحّة لإعادة هندسة هذا النظام ليواكب التحولات بدل أن يعيقها.
فدستور قوي يعني دولة مستقرة. ودستور بلا حصانة ويغير على المزاج يعني دولة بقابلية كبرى للفوضى .
إن تأجيل هذه المراجعة ليس حيادًا، بل هو استمرار في إدارة الاختلال. وأي تعديلات شكلية لن تكون سوى هروب إلى الأمام.
إن المطلوب اليوم دفعة واحدة وبشكل لالبس فيه : أن يتمخض حوار النخبة الوطنية عن إصلاح دستوري عميق، يعيد التوازن بين السلطات، ويرفع من جودة التمثيل السياسي، ويؤسس لدولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج.
هذه ليست رفاهية فكرية… بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار