
ما تعيشه موريتانيا اليوم من تجاذبات أقرب إلى صراع الديكة ، لن يفضي إلى أي شيء ، لأن جميع أطراف اللعبة يسبحون عكس التيار في صدام مع التاريخ و الثقافة .. لأن الجميع يحرفون الحقائق .. لأن الجميع يخافون من الحقائق .. لأن الجميع يعتقدون أن بمقدورهم أن يصنعوا تاريخا تصالحيا من الأكاذيب ..
لقد عمَّرَ البيظان هذه الأرض منذ قديم الزمن ، ببيضهم و سودهم (و لا أعني الحراطين بل أعني سمر وسود البيظان مثل عُطيل (Atlos) في قصة شكسبير و الأمير بكار و جل أمراء إدوعيش و عميد الأدب محمدن ولد سيد ابراهيم و الصحفي إبراهيم ولد عبد الله و جل أبناء سدوم ولد انجرتو (سيداتي ، ديمي ، الداه …) و الخالفة الكحلة في الترارزة و السوداء في إمارة أهل امحيميد (تمبدغة) و جل شرفاء الحوض الشرقي (و هي مجرد نوعيات من بحر من البشر)؛
هذه المغالطة المؤسسة على اللون هي التي جعلت الطرطور بيرام و رهطه يدَّعون أن البيظان أقلية ، متجاهلين أن ما يقارب نصف البيظان من أصحاب البشرة السوداء و ليس من بينهم أي حرطاني و لا من يستطيع أي أبيض أو أشقر المزايدة على بيظانيته ..
و قد جن جنون بيرام ، حين بدأت وزارة الداخلية في طرد المقيمين غير الشرعيين في البلد من الأفارقة ، لأنها كانت ضربة لما يروِّج له حول أقلية البيظان من خلال حركة الشارع .
و قبل أن نتكلم عن تاريخ العبودية و مظالم الحراطين ؛ يجب أن نعرف ما حدث بالضبط .
كانت العبودية تتم عن ثلاث طرق و هذا معروف من الجميع و لا يستطيع إنكاره غير جاهل أو متجاهل ، يحمل علَّافة الإفك التاريخي :
١ ـ كان شيوخ القبائل الزنجية في المنطقة يبيعون عبيدهم لكل من هب و دب ، فاشتراهم الانجليز و الفرنسيون و الأمريكيون بمئات الآلاف و مات أكثرهم في أعالي البحار بسبب ترهل مراكب سماسرة سوق النخاسة . و حين احتج بعض الزنوج على مراسم تشييع ملكة بريطانيا إيليزابيت الثانية (سبتمر 2022) بسبب دور المملكة في عهدها في تجارة العبيد (حسب قولهم) ، ردت عليهم وزيرة بريطانية قائلة ، ما نعرفه هو أن بريطانيا فقدت أربعة آلاف من جنودها في حملة "مكافحة تجارة الرقيق" التي كان يمارسها بعض الزعماء المحليين ، في إشارة إلى ما يعرف بـ"حملة سرب غرب إفريقيا" التابع للبحرية البريطانية ، التي جاءت بعد حظر بريطانيا لتجارة العبيد (1807) . و لم تجد الوزيرة من يرد عليها . و قد تم بيع جد بيرام من قبل شيخ قبيلتهم في ضواحي سين لوي ، حسب العارفين بتاريخه القريب جدا . فلماذا ينسى بيرام أنه كان عبدا قبل أن يكون عبدا للبيظان !؟
البيظان لم يُعبِّدوا أحدًا في الواقع ، بل اشتروا من كانوا عبيدا قبلهم . و هم شركاء في جريمة العبودية (مثل الجميع) ، لكنهم الأقل مسؤولية في وجودها المستمر في المنطقة حتى اليوم ، بشتى أشكالها ، ما عدا في موريتانيا ..
2 ـ كان بعض الأفارقة يبيعون أبناءهم (و هي الحالة الأبشع في هذا المجال) و كان البيظان يشترونهم من ذويهم مثل الجميع ..
3 ـ في حالات أخرى ، كان بعض القراصنة و قطاع الطرق يخطفون بعض الزنوج و يبيعونهم كيفما اتفق و هي حالات قليلة لما تحتويه من مخاطر مقابل مردودها المادي المحدود جدا !!
لا شك أن العبودية جريمة لا تغتفر ، واكبت الوجود البشري منذ فجر التاريخ حتى اليوم و أخذت ألف شكل و اتسمت بكل أنواع البشاعة ، لكن من المسؤول عنها ؟
و من المسؤول عنها هنا في موريتانيا بصفة أخص !؟
مَنْ مِن بين الجميع لم يشارك في جريمة العبودية ، إذا كان شيوخ القبائل الزنجية هم من كانوا يبيعون عبيدهم و الآباء يبيعون أبناءهم و قطاع الطرق يستبدلونهم بموطئ قدم من الملح !؟
على من يجهلون التاريخ أن يستفيقوا و أن يفهموا أن البيظان آخر من يمكن اتهامهم بالعبودية لأنهم آخر من اقتنى العبيد و أرحم من عبَّدهم .
اليوم و قد عمل التاريخ طبخته و أحكمت الأيام دورتها و أخذت العبودية شكلا آخر ، تمشيا مع منطق الزمن و حاجاته و وسائله ، كانت موريتانيا متقدمة على كل دول المنطقة في سن قوانين منع العبودية و محاربة كل مظاهرها بما أحرج بعض دول الجوار : كان الإعلام السنيغالي أكثر من وقف مع أدعياء محاربة العبودية في موريتانيا في حين تتم ممارستها في السنيغال في العلن و بأبشع الصور و لا يستطيع أي صحفي سينغالي التحدث عنها بنصف كلمة حتى اليوم ، حتى هذه اللحظة . و حادثة مقابر تييس (قبل عام و نيف ) ، شاهدة على ما أقوله !!
ظلت هذه الممارسة تكبر مع الزمن و ظل تجاهل السلطات الموريتانية لها يزيدها استفحالا حتى أصبحت لها منظمات و أحزاب و خطباء و منظرون و أتباع من أتفه الغوغاء و أكثرها جهلا للتاريخ و الأخلاق ..
لم تعد في موريتانيا أي عبودية و لم تعد لها أي مخلفات و كل العاملين في مجال محاربتها سماسرة خونة يعيشون على آلام الشعب و يعملون لصالح أجندة خارجية معادية للبلد . و كل سياسة البلد في هذا المجال خاطئة و جبانة و لن تفضي إلى غير مزيد من التشرذم و النتائج العكسية .
كل معاناة الشعب الموريتاني اليوم واحدة و كل أسبابها واحدة و هي فساد الأنظمة و ارتزاق معارضاتها ..
الفساد يُضعِفُ الأنظمة و حين تضعف الأنظمة يصبح كل طرطور مانديلا جديد و كل ساموري ولد بي ديغولا آخر ..
على من يريد التعايش معنا في هذا البلد أن لا يطرح علينا شروط انسجامه و لا شروط المنتصر ..
البيظان مجتمع مسالم تكمن خطورته في ردة فعله ، لا تستطيع أي قوة أن تهزمهم على أديم هذه الأرض . توالت عليهم حملات الرومان و الانجليز و البرتغاليين و الألمان و الفرنجة و ظلوا صامدين حتى استقلال البلد .
و من يتابع كتابات المستشرقين عن البيظان ، يدرك حتما أنهم كانوا محاربين أشداء رغم اختلاف الوسائل و أن ارتباطهم بهذه الأرض كان سر قوتهم و عنادهم في الدفاع عنها .
ـ ليس في هذا البلد ما يخجلنا..
ـ ليس في هذا البلد ما يخيفنا ..
ـ ليس في هذا البلد ما يمكن أن يزعجنا ..
من يبالغون في نحت الأزمات و الحديث عن خطورة الوضع و تهديد الوحدة الوطنية ، لا يفهمون أي شيء عن حقيقة البلد ..
ـ لا أحد على وجه الأرض يمكن أن يعطينا دروسا في الديمقراطية ..
ـ لا أحد على وجه الأرض يمكن أن يعطينا دروسا في الأخلاق ..
ـ لا يوجد في موريتانيا غير مواطنين سواسية إلا من أبوا و لن يجدوا بعد اليوم من يترجاهم.
لا أحد يمثل أي شريحة أو مكون أو طائفة أو جهة إلا أحد اثنين ، القانون و رئيس الجمهورية :
ـ القانون لأنه العقد المنظم للحياة و الحقوق و الواجبات ..
ـ و رئيس الجمهورية لأنه المنتخب من الشعب و الممثل الشرعي لجميع أهل البلد .
ـ البيظان لايحتاجون إلى الحراطين ليكونوا أغلبية ..
ـ البيظان لا يحتاجون إلى الحراطين ليظلوا أصحاب الأرض و النفوذ ..
البيظان يحتاجون إلى الحراطين لأنهم أهلنا و أحبتنا و تاريخنا المشترك و مجدنا و ثقافتنا .
و لا إكراه في الحب لمن يبغضون البيظان لأسبابهم الخاصة ، مثل الساموري ولد بي أو يعيشون على فُتات أجندات مشروطة ببغض البيظان مثل الطرطور بيرام !!
لو عمل الجميع يدا بيد على محاربة الفساد و التوزيع العادل للثروة لفهموا حتما أن ما يقومون به اليوم من حروب خاسرة مع الأنظمة المتعاقبة على البلد ، هو السبب الأول لما نحن فيه جميعا من ويلات ، ما زلنا نتبادل الشتائم و الاتهامات بشأنها ..
# التاريخ عمل يكتب لمرة واحدة
و العظمة لله وحده ..
.gif)


