وزير الجباية لا يفقه الأولويات / سيد احمد لفضل

خميس, 04/06/2026 - 21:11

قرأت صباح اليوم، على عجل، منشورًا للوزير ولد أجاي على فيسبوك، يبرر فيه زيادة أسعار المحروقات، معتبرًا أن هذه الزيادة ضرورية لمساعدة الدولة على الاستثمار في مشاريع أخرى تعود بالنفع على المواطنين. وادعى أن المستفيد الرئيسي من دعم أسعار المحروقات والغاز هو الطبقة الميسورة التي تمتلك أكثر من سيارة وتستهلك كميات أكبر من الغاز في الطهي.
فلنفترض جدلًا أن ما قاله ولد أجاي صحيح، وأن هدفه الأسمى كان ولا يزال الحرص على مصلحة المواطنين محدودي الدخل، ودعم المشاريع التي تنعكس بشكل مباشر على حياتهم اليومية. ولنفرض أيضًا أن المستفيد الأول من دعم المحروقات والغاز هو الطبقة الغنية التي يهدر بعض أبنائها الوقود في مسابقات التفحيط، كما قال ولد عبد العزيز سابقًا، ويستهلكون الغاز في حفلات الشواء والسهرات الليلية.
لكن الفقراء، بدورهم، لا يتنقلون سيرًا على الأقدام في كل أحوالهم، ولا يطبخون على الفحم، ولا تُنقل مؤونتهم من الميناء إلى الحوانيت على ظهور الحمير أو الإبل. كما أن تأمين الغذاء في دولة يعاني نصف سكانها من الفقر أولى من الإنفاق على مشاريع غير واضحة الجدوى، خاصة إذا كانت التجارب السابقة تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من ميزانياتها يذهب إلى جيوب المنتفعين من النظام.
لذلك، فإن الادعاء بأن الفقراء لن يتضرروا من رفع أسعار المحروقات والغاز ينطوي على قدر كبير من التضليل أو "التَخَزْيه". فالمحروقات، وخاصة الغزوال، أصبحت مادة أساسية في حياتنا اليومية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، نظرًا لاعتماد مختلف القطاعات عليها. ودعمها في دولة مثل موريتانيا ليس ترفًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية لما لها من تأثير مباشر على معيشة المواطنين.
ولهذا السبب تعتبر كثير من الدول المحروقات والغاز من المواد الأساسية التي لا غنى للمواطن عنها، لأن ارتفاع أسعارها ينعكس مباشرة على النقل والصحة والتعليم والأمن الغذائي وسلاسل التوريد وغيرها من القطاعات الحيوية.
فمن منا لا يستقل سيارة أجرة في تنقلاته اليومية، أو يستخدم سيارته الخاصة للذهاب إلى عمله والعودة منه؟ ومن منا لا يشتري من الحانوت الذي نُقلت بضاعته من الميناء إلى المخازن، ثم إلى نقاط البيع، عبر شاحنات ومركبات تعمل بالغازوال؟
تصور، على سبيل المثال، تاجرًا في مدينة النعمة ينقل بضاعته من نواكشوط بواسطة شاحنة تحتاج إلى نحو 400 لتر من الوقود لقطع المسافة بين المدينتين. وبعد الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات، سترتفع تكلفة النقل بحوالي 250000 أوقية قديمة، وهو فارق سيُضاف بطبيعة الحال إلى تكلفة البضائع التي يستهلكها المواطن. وهكذا ترتفع أسعار السلع الأساسية تباعًا، ويتحمل المستهلك النهائي العبء الأكبر.
ولا يقتصر الأمر على النقل والتجارة فحسب، فالمستشفيات كذلك تعتمد على المولدات الكهربائية العاملة بالديزل أثناء انقطاع الكهرباء، وهي انقطاعات متكررة في البلاد. وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس أيضًا على تكلفة الخدمات الصحية.
إن التفكير في المشاريع التنموية أمر مهم، لكن الأهم منه هو معالجة الاختلالات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين في بلد ما يزال يُصنَّف ضمن أفقر دول العالم، نتيجة عقود من سوء الإدارة والفساد واستنزاف الموارد.