
لقد أنعم الله على بلدنا، موريتانيا، بوحدة الدين والتاريخ المشترك والتنوع الثقافي، وهي عناصر تشكل رصيداً وطنياً ثميناً ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه وصونه من كل ما قد يهدد تماسكه أو يضعف انسجامه.
وفي هذا الإطار، يمثل تنوعنا المستمد من عمق انتمائنا العربي وامتدادنا الإفريقي مصدر غنى وقوة، يعزز الهوية الوطنية ويمنحها بعداً تعددياً متوازناً، شريطة أن يُدار هذا التنوع في إطار الوحدة لا التنافر.
ويشهد العالم اليوم تحولات متسارعة وتحديات متزايدة تجعل من التماسك الداخلي شرطاً أساسياً لاستقرار الدول وقدرتها على الصمود والتقدم. وبلدنا، شأنه شأن غيره من الدول، يواجه هذه التحولات بما يتطلبه ذلك من تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ روح الانسجام بين مختلف مكوناته.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ترسيخ الوعي بأن وطننا وطن جامع يتسع لجميع أبنائه، ويحتضن تنوعهم الفكري والثقافي والسياسي في إطار من الاحترام والتعايش. ورغم تعدد الآراء وتباين الاجتهادات، فإن القواسم المشتركة بين الموريتانيين تظل أعمق وأرسخ، وفي مقدمتها الانتماء للوطن والحرص على أمنه واستقراره ومستقبله.
ومن ثم، فإن ما يجمع الموريتانيين أكبر بكثير مما قد يفرقهم؛ فالدول لا تُبنى على التطابق، بل على الثوابت الجامعة والمصالح العليا ووحدة المصير.
إن التعدد في الرؤى والاختلاف في الاجتهادات ظاهرة صحية في المجتمع، غير أن خطورتها تبدأ حين تنحرف عن مسارها الطبيعي القائم على التنافس الإيجابي، لتتحول إلى اصطفافات ضيقة تمس النسيج الاجتماعي وتضعف اللحمة الوطنية.
ويؤكد الدين الإسلامي الحنيف، الذي يشكل مرجعية راسخة في المجتمع، قيم الأخوة والتعاون والتسامح، كما يرسخ مبادئ المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بما يعزز الانتماء المشترك للوطن.
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾، وقوله سبحانه: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾. كما قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وقال أيضاً: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد». وهي نصوص تؤكد أن قوة المجتمعات تقوم على وحدتها وتماسكها.
وقد أجمع الحكماء والمفكرون عبر التاريخ على أن قوة الدول تكمن في وحدة شعوبها؛ إذ قيل: «الاتحاد قوة والفرقة ضعف». واعتبر ابن خلدون أن تماسك الجماعة أساس العمران والقوة، فيما قال نيلسون مانديلا: «ما يوحد الناس أقوى مما يفرقهم».
كما أن ترسيخ دولة القانون والعدل والمساواة يعد ركناً أساسياً في تعزيز التماسك الوطني، حيث يشعر الجميع بالإنصاف وصون الحقوق، وتتساوى الفرص والواجبات دون تمييز.
إن بلدنا اليوم في حاجة ماسة إلى تضافر جهود جميع أبنائه أكثر من أي وقت مضى؛ فالتحديات التنموية والاجتماعية لا يمكن مواجهتها إلا بروح جماعية ومسؤولية مشتركة، وإسهام كل فرد من موقعه في بناء الوطن.
وتقتضي المرحلة الراهنة تعزيز ثقافة الوحدة والتقارب باعتبارها شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والاستقرار؛ إذ لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون مجتمع متماسك يدرك أن قوته في وحدته، وأن تقدمه مرهون بتكاتف أبنائه.
وسيظل الوطن أكبر من الخلافات وأوسع من الانتماءات الضيقة، ومسؤولية الجميع أن يجعلوا من وحدته خياراً دائماً ومساراً ثابتاً.
فموريتانيا ليست حكراً على أحد، بل هي وطن الجميع، ومستقبلها لن يُبنَى إلا بتضافر جهود أبنائها وتكامل طاقاتهم، في إطار من العدل والمواطنة والتضامن، وتغليب المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
الشيخ باي ولد محمد الأمين صحفي بإذاعة موريتانيا
.gif)


