المرحوم محمد المصطفى ولد بدر الدين.. حين يرحل المناضل ويبقى الأثر / مامونى ولد مختار

خميس, 08/10/2026 - 23:00

تحل علينا اليوم الذكرى السادسة لرحيل أحد أعمدة النضال الوطني الموريتاني، وأحد أكثر رجالاته صدقا وشجاعة وإخلاصا لقناعاته، المناضل الكبير محمد المصطفى ولد بدر الدين.
في مثل هذا اليوم، السابع من أكتوبر 2020، انطفأت شمعة رجل لم يكن عابرا في تاريخ موريتانيا، وإنما كان جزءا من تاريخها السياسي والنضالي الحديث، رجل اختار، منذ وقت مبكر، أن يكون في صف القضايا التي آمن بها، وأن يدفع ثمن مواقفه من حريته وراحته وحياته الخاصة.
كان محمد المصطفى ولد بدر الدين مناضلا بالفطرة، وشجاعا في الموقف، صلبا أمام المحن، بسيطا في حياته، قريبا من الناس، محبا للإنسان والإنسانية.
ولم يكن المناضل محمد المصطفى ولد بدر الدين سياسيا فقط، بل كان شاعرا وكاتبا ومربيا ومعلما من أبرز رجال التعليم في جيله. وكان صاحب ثقافة واسعة ولسان فصيح وحضور آسر، فإذا تحدث أنصت له الجميع، وإذا خطب استمتع بخطابه حتى من كانوا في صفوف معارضيه. كانت كلمته تجمع بين قوة الحجة وجمال التعبير وسلاسة الحديث، ولذلك لم يكن غريبا أن يحظى بمحبة واحترام حتى بعض الذين كان ينتقدهم بشدة. كان معارضوه يستمتعون بأحاديثه وهو ينتقدهم، لأنهم كانوا يسمعون في نقده عقل المناضل وأدب المثقف وصدق الإنسان، لا مجرد خصومة سياسية.
ولعل أكثر ما يميز مسيرته أنه لم يكن مناضلا في موسم سياسي، ولم يصنع مواقفه بحثا عن موقع أو مكسب. لقد ظل وفيا لقناعاته عبر عقود طويلة، وقارع الأنظمة المتعاقبة دون استثناء، ودفع ثمنا باهظا لذلك، فكان من أكثر المناضلين الموريتانيين تعرضا للسجن والاعتقال والملاحقة.
دخل السجن أكثر من مرة، لكنه لم يدخل إليه مهزوما، ولم يخرج منه متراجعا عن قناعاته. كانت السجون تضيق عليه، لكنه كان أوسع منها إيمانا بما يؤمن به، وأقوى منها إرادة.
تلك شجاعة لا تتعلق برفع الصوت، وإنما بالقدرة على دفع ثمن الموقف.
ومع ذلك، فإن الحديث عن ولد بدر الدين لا ينبغي أن يتوقف عند صلابته السياسية ونضالاته الطويلة، فالرجل كان، قبل كل شيء، إنسانا بسيطا متواضعا، قريبا من الناس، لا تصنعه المناصب ولا تغيره المواقع. كان يحمل في داخله محبة عميقة للإنسان، ويتعامل مع البسطاء والمختلفين عنه بروح إنسانية قل أن تجتمع مع ذلك القدر من الصلابة السياسية.
كان يستطيع أن يكون شديدا في مواجهة الفكرة أو السلطة التي يرفضها، دون أن يكون قاسيا على الإنسان. وهذه واحدة من أجمل خصاله: كان صلبا في الموقف، رقيقا في المعاملة؛ شديدا في الدفاع عن قناعته، بسيطا في حياته؛ كبيرا في نضاله، متواضعا في شخصه.
لقد عاش حياته العامة مناضلا، لا متفرجا، مقاوما، لا مستسلما، صاحب موقف، لا صاحب مصلحة.
وبرحيله فقدت الساحة الوطنية صوتا لا يشبه الأصوات الأخرى، ووجها نضاليا يصعب أن يتكرر.
ستة أعوام مرت على رحيله، وما زال غيابه محسوسا في ساحات النضال الوطني. فبعض الرجال لا يترك رحيلهم فراغا في مقعد أو تنظيم أو حزب، وإنما يترك فراغا في المشهد كله، لأن حضورهم كان أكبر من مواقعهم، وتأثيرهم أوسع من أدوارهم الرسمية.
رحم الله محمد المصطفى ولد بدر الدين.
رحم الله الرجل الذي أعطى من شبابه وشيخوخته وحريته وراحته لقناعاته، ودفع ثمن مواقفه سجنا وملاحقة، ولم تبدل السنين ملامح موقفه، ولم تبدل الأنظمة المتعاقبة بوصلته.
رحم الله المناضل الشجاع، والسياسي الصلب، والشاعر والكاتب والمربي، والإنسان البسيط المحب للناس، الذي عاش كبيرا في مواقفه، وظل بسيطا في حياته.
في ذكراك السادسة، أيها الراحل الكبير، لا نرثيك لأنك غبت، وإنما نستحضر سيرتك لأن أمثالك لا يغيبون تماما، تبقى مواقفهم، وتبقى شجاعتهم، وتبقى كلماتهم، ويبقى أثرهم شاهدا على زمنهم، ودرسا للأجيال التي تأتي بعدهم.
نم قرير العين يا محمد المصطفى ولد بدر الدين، فقد تركت وراءك تاريخا نضاليا حافلا، وذاكرة وطنية لا تنساك، ومحبة في قلوب كثيرين عرفوا فيك قبل المناضل إنسانا كبيرا أحب الإنسان ودافع عن كرامته.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل قبرك روضة من رياص الجنة وجمعنا معك فيها، وجزاك عن وطنك ورفاقك وكل من أحببتهم وأحبوا فيك صدقك وشجاعتك، خير الجزاء.