لسنا أقل من غامبيا.!/ حنفي ولد دهاه

ثلاثاء, 06/12/2016 - 01:32

خلال إقامتي بالولايات المتحدة الإمريكية تعرفت على نشطاء سياسيين من الجالية الغامبية في بيت مصطفى امبوب، و هو صحفي عمل سابقا مديرا لإذاعة حرة ببانجول، قبل أن يتهمه يحي جامى بالتجسس لأمريكا، فيلوذ بالفرار..

 

التقيت في هذا البيت بمدير أمن غامبي سابق يدعى موسى امبوب، كان من بين قادة الانقلاب على داوود جاورا غير أن صروف الدهر أوقعت بينه و بين جامى فسجنه و عذّبه ثم طرده خارج البلاد.

 

و في هذ البيت أيضا التقيت جنرالاً  لا استحضر اسمه زار لاس فيغاس قادماً من بريطانيا، للاجتماع بالجالية، و كان أفرادها يغمزون فيه، كما نغمر في أحد جنرالاتنا بأن مطاردته للأفخاذ البيضاء في مدينة الضباب لن تترك من وقته متسعاً لهموم بلاد يطبق عليها ملازم تسلطي أرعن بين  فكّيه.

 

وقد استضافتني إذاعة على الانترنت لنشطاء غامبيين شباب أسموها “الحرية”، تحدثت فيها عن الأوضاع السياسية في موريتانيا، فكان الصحفي المحاور يقاطعني كثيرا: كأنك تتحدث عن غامبيا.

 

و تابعت بإعجاب كثير جرأة الإعلامية فاتو كمارا التي كانت توجه رسالتها الأسبوعية  على اليوتوب، للشباب الغامبي تستنهض هممهم للثورة على حكم الملازم.

 

و قبل شهر زرت بانجول زورة خاطفة، فكانت الصور و الشعارات و القبضة الأمنية و تفتيش السيارة عند كل ميترين، تقول لك: إن حكم الملازم ملازم ضربة لازب.!

 

كانت تساورني ـ رغم هذا الحراك الذي تابعته عن قرب – شكوك في نجاعة هذه الأساليب في ديكتاتورية تنين مراهق، تسحب عليه الأيام ذيلها فتشيخ و هو يافع غض الإهاب..

 

غير أن  الحبل بتكراره و مثابرته أثّر في الصخرة الصماء.!

 

يحي جامى هو دكتاتور أعمى البصر و البصيرة.. يشبه في قسوته  شخصية دراكولا في رواية برام ستوكر، و مواقفه الغبية و “قدراته الغيبية” مادة خصبة  للتندر.. و قد أثارت إفريقيا استغراب بطرس غالي في كتابه “في انتظار بدر البدور” لأنها استطاعت أن تنجب من بطن واحد مثل يحي جامي و مثل جاك ديوف.

 

.. بعد أن حكم البلاد اثنتين و عشرين عاماً أراد الملازم جامى أن يقف في وجه قانون التغير، فيسد كل منفذ يمكن أن يتسلل منه تناوب على السلطة، فغيّر الدستور (كما يريد صاحبنا أن يغيّره) و جعل الانتخابات الرئاسية دورا واحداً، حتى يأمن شر تحالفات الشوط الثاني، و زج بجميع المعارضين ذوي الحظوة الشعبية في سجونه الخرساء.. غير أن قراراته الاستباقية خذلته، فأُوتي من مأمنه: حارس الأمن السابق آداما بارو.

 

حين عجمت المعارضة الغامبية عيدانها لم يكن بارو أصلبها لمواجهة جامى، و لكنه كان وحده الحر الطليق من بين معارضيه، فزجوا به في أتونها مكرهين غير أبطال.. غير أن الشباب و النشطاء كانوا ظهيره الذي لا يضع العصى عاتقه.. فتحققت المعجزة..!

 

انتصرت الديمقراطية، لأن عوامل كثيرة تضافرت لتحقيق ذلك، أولها عزيمة الشباب، و جرأة رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات، و وطنية بعض الضباط..

 

و لا شك أن التجربة الغامبية يمكنها أن تلهم المتعطشين للحرية في إفريقيا و العالم العربي، خصوصا موريتانيا التي يجثم على صدرها نظام عسكري حرون.

 

لابد أن يكون الشباب أكثر تنسيقاً و ضراوة في مقارعة جور النظام و استبداده. و أن لا يلوي على المثبطين، و لا يبحث عن الحجج لتأجيل الانتفاضة.

 

عندما اندلع الربيع العربي وقف سياسيون مثل مسعود ولد بلخير و أحمد ولد داداه ضد  المحاولة الشبابية لاستنساخ التجربة التونسية و المصرية، و برّر محللون عدم نجاح المحاولة بأننا بلد لا تنطبق عليه النماذج العربية (و أنا تماماً مثل جورج طرابيشي لا اعترف بالنماذج) و ذلك لما تقرره القاعدة المنطقية من أن “الشيء مع غيرِه غيرُه”، فنحن لسنا بلدا عربياً خالصاً.. نحن بلده عرب و زنوج.

 

و هكذا سيبررون تخلفنا عن القافلة الإفريقية بذات الحجة الواهية..

 

 إنه لا يحلق طائر الشاهين عالياً بجناحين أحدهما مقصوص، و إن حلق بجناحين مقصوصين. و العالم العربي و إفريقيا في قمة بؤسهما و تخلفهما الذي بلغ مداه.. فماذا ينتظر إذن بلد يلهج أفاويق البؤس من ضرعين.

 

على شبابنا أن يستخلص الدروس من تجربة Le Balai citoyen في بوركينا فاسو، و حركة yana mar السنغالية و قد أشادت بها هيلاري كلينتون في كتابها “الخيار الصعب”.

 

و على سياسيينا و ضباطنا و لجنتنا المستقلة للانتخابات ان تستخلص عبرها من الدرس الغامبي.

 

و اعتقد أن الأمر لن يتطلب أكثر من أن نقنع أنفسنا أننا لسنا أقل من بوركينا فاسو أو غامبيا..!