مذكرات الأسير بسجون البوليساريو محمد فال ولد أكًاه (الحلقة العاشرة)

جمعة, 27/12/2019 - 18:40

المسافة التي لا تنتهي: حين حطت بنا الطائرة في المطار وجدنا في انتظارنا سيارتين صعدنا نحن الأربعة في إحداهما وكان سائقها شاب يدعى تقي الله أيده والذي سيهاجر بعد ذلك بسنين إلى كندا ويصبح من أكبر المحامين الدوليين ، بينما صعد في السيارة الثانية مرافقنا صحبة ذلك "المعارض الموريتاني" الذي كان ذلك آخر عهد لنا به ليترك خلفه سؤالا محيرا حول ما إذا كان للموضوع علاقة بتنسيق مع ما سيعرف لاحقا بقوات تحرير الأفارقة الموريتانيين (فلام) ، خاصة وأن موريتانيا مازالت في حينها لم توقع بعد اتفاق السلام مع البوليساريو .

 

أوصلنا السائق إلى دار تابعة لسفارة البوليساريو تقع في حي عين الطاية بالعاصمة الجزائر قضينا فيها ثلاثة أيام كنا خلالها متشوقين للالتحاق بالمخيمات لبدء حياة جديدة لم تكن لدينا أدنى فكرة عن شكلها ، والأمنية الوحيدة التي أعتقد أنها كانت مسيطرة على الكل هي حمل السلاح والالتحاق بجبهات القتال .

في اليوم الثالث من إقامتنا في الجزائر دخل علينا شخص ضخم عرفنا فيما بعد أن اسمه (التامي) وطلب منا أن نجهز أنفسنا للسفر إلى تيندوف بعد ساعة وبالفعل لم تمض تلك الساعة حتى كنا رفقته متوجهين إلى المطار حيث استقلينا الطائرة إلى تيندوف وبالرغم من أن هذه الأخيرة لا تبعد عن الرابوني سوى 25 كلم فقد قطعنا تلك المسافة  في سيارة تويوتا خلال أكثر من خمس ساعات ، وكانت تلك رسالة لم نفهمها إلا بعد مرور سنين طويلة إذ عرفنا أن عملاء الأمن الذين كانوا يرافقوننا تعمدوا أن يضللونا حتى لا نعرف المسافة الحقيقية وهو ما يعني أن هناك أحكاما مسبقة علينا دون أن ندري فظل السائق يدور بنا من الساعة الواحدة زوالا حتى الساعة الخامسة لتتوقف أمام غرفتين من الطين بنيتا في حفرة معزولة وعلى مرتفع يطل عليهما من الغرب توجد غرفة أخرى عرفنا لاحقا أنها مقر حراس المكان .

أنزلونا  في ذلك المكان الذي لم يكن يتوفر فيه أي مقومن من مقومات الحياة وقد اكتملت فيه صور البؤس والحزن عندما حل الظلام فأصبح قطعة من ليل دامس لا يكاد الواحد منا يرى غير أشباح تشبه في شكلها من كانوا حوله ، ولولا مشاكسة (أمان ولد الخالص) ومُلح (محمدن ولد أحمد يامر) رحمة الله عليه لكان وقع الوضع علينا في تلك الليلة ثقيلا رغم قناعتنا أننا لسنا في رحلة سياحية ، وعكس ما كنا نتوقع بأن مقامنا لن يطول في مكان الضيافة ذاك  والذي يبتعد كل البعد عما عرف عن الصحراويين من إكرام لكل قادم فقد أقمنا فيه لأسبوع كامل ظل خلاله المحققون يتعاقبون علينا وفي كل يوم يمطرونا بوابل من الأسئلة لم نستطع يومها معرفة المغزى منها ولم نكن نكترث لها لأنها لم تكن تعني لنا شيئا سوى أنها عمل روتيني مع كل القادمين الجدد ، وكان كل همنا أن نخرج من ذلك المكان البائس الذي وضعونا فيه ونختلط بالناس لنشاركهم همومهم التي كانت بالنسبة لنا هي كل شيء ، وللأمانة أقول إنه وبعد أن دخلنا المخيمات والتقينا بالناس البسطاء لم نشعر بأننا غرباء بينهم بل أحسسنا بأنهم أكثر من أهل لنا ، لذلك لن نستطيع بالرغم مما قدمناه من خدمات أن نفي الصحراويين والصحراويات النظيفين حقهم لقاء المعاملة الطيبة التي كانوا يعاملوننا بها ، غير أنه وللأسف الشديد سيكون هناك وجه آخر قبيح لتلك الصورة .

 

السفير